mardi 14 janvier 2014

ذكرى مولده (محمد) صلى الله عليه و سلم

فلنتعرف إلى نبينا عليه الصلاة والسلام: 
 أيها الإخوة الكرام، نحن بحاجة للتعرف على نبينا، ولا سيما في هذا العصر، ولا سيما في هذه السنوات الأخيرة حيث عمت القسوة والوحشية، وعمّ الحقد والضغينة بين بني البشر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إنساناً بكل معاني هذه الكلمة.
 النبي عليه الصلاة والسلام نراه الإنسان الحاني الرحيم، الذي لا تفلت من قلبه الذكي شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لبّاها، ورعاها، وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد.
حلمه وصبره عليه الصلاة والسلام:
 نرى فيه الإنسان الذي يكتب إلى ملوك الأرض طالباً إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل، ثم يصغي في حفاوة ورضىً إلى أعرابي حافي القدمين، حدَّثه بجهالة:
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال:
(( كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْد نَجْرَاني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذة شديدة، حتى نظرت إِلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَثَّرَتْ بها حاشية البرد، من شدة جَبْذته، قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أمر له بعطاء ))
[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ]
يسأله أعرابي يوماً في بداوة جافة فيجيبه برقة وحنان:
 فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان لرجلٍ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سنٌّ من الإِبل، فجاءه يتقاضاه. وفي رواية: أنه أَغلظ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم حين استقضاه، وقالوا: لا نَجِدُ له سِنَّهُ، حتى هَمَّ به بعضُ أَصحابه، فقال:
(( دعوه، فإن لصاحب الحقِّ مقالاً ))
 ثم أمر له بأفضلَ من سِنِّه، فقال: أوفيتني، وفَّاكَ الله
[ حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم ]
شفقته ورأفته عليه الصلاة والسلام:
 نرى فيه العابد الأواب الذي يقف في صلاته يتلو سوراً طويلة من القرآن الكريم في انتشاء وغبطة، لا يقايض عليها بملء الأرض تيجاناً وذهباً، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد، فيضحي بغبطته الكبرى وحبوره الجياش، وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي، وينادي أمه ببكائه.
نرى فيه الإنسان الذي يرتجف حينما يبصر دابة تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق من شفقته ورأفته عليه الصلاة والسلام.
عفوه وصفحه عليه الصلاة والسلام:
 نرى فيه الإنسان الذي وقف أمام جميع من شنّوا عليه الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين، وكانوا قد مثّلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة، ومضغوا كبده في وحشية ضارية، فيقول لهم، وهو القادر على أن يهلكهم: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء )
رحمته ورقته عليه الصلاة والسلام:
 أيها الإخوة الأحباب، من ومضات رحمته صلى الله عليه وسلم أنه قال عن نفسه في الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ))
[ حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه ]
وبيّن النبي عليه الصلاة والسلام، وأرشد المؤمنين إلى التزام الرحمة:
 عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(( الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماءِ، الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِن الرحمنِ، فَمَن وصلَهَا وَصَلهُ الله، ومن قطعها قطعهُ الله ))
[ حديث صحيح، أخرجه الترمذي ]
وبيّن صلى الله عليه وسلم أن الرحمة خير من الإفراط في العبادة:
 فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عام الفتح إِلى مكةَ في رمضانَ، فصامَ حتى بلغَ كُراعَ الغَميم، فصام الناسُ، ثم دعا بِقَدح من ماء، فرَفَعَهُ حتى نَظَرَ الناسُ، ثم شَرِبَ، فقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعضَ الناس قد صام؟ فقال:

(( أولئكَ العُصاةُ، أولئكَ العُصاةَ ))
[ حديث صحيح، أخرجه مسلم ]
بر الأبوين من الرحمة:
 رجل يسرع الخطا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغشاه فرح كبير، تغمره الفرحة العارمة ليبايع النبي عليه الصلاة والسلام على الهجرة معه، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: جئتُ أبَايِعُكَ على الهجرة، وتركتُ أبَوَيَّ يبكيان، قال:

(( فارجع إليهما، فأضْحِكْهُما كما أبْكَيْتَهُما ))
[ حديث صحيح، أخرجه أبو داود والنسائي ]
ترك أبويه يبكيان لفراقه، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام قيمة بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله.
أيها الإخوة الكرام:
 إن بسمةً تعلو شفةً أبٍ حنون، وتكسو وجه أم متلهفة لا تقدَّر عند النبي عليه الصلاة والسلام بثمن، حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله. 


خلاصة القول في المولد النبوي:
أيها الإخوة الكرام:
وأجمل منك لم تر قط عين  وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءاً من كل عيـب  كأنـك قد خلقت كما تشاء
                              ***
وأسدت للبرية بنت وهــب  يداً بيضاء طوقت الرقـابا
لقد وضعته وهاجاً منيــراً  كما تلد السماوات الشهابـا 

ماذا ينفعنا إحياء ذكرى مولده إن لم نتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم؟
 ماذا ينفعنا إحياء ذكرى مولده إن لم تكن سنته مطبقة في بيوتنا، وفي علاقاتنا، وفي أفراحنا، وفي أحزاننا، وفي نشاطنا، وفي سفرنا، وفي حلنا؟
ماذا ينفع المسلمين اليوم، وقد تفرقوا، وتشرذموا، وسرت بينهم العداوة والبغضاء أن يحتفلوا الاحتفالات الشكلية دون الالتزام بما أمرهم به عليه الصلاة والسلام؟

وأخيرا:
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- أيها الإخوة الكرام، الاختلاف بين الناس وبين الأطراف وبين الشعوب وبين الحضارات، هذا الاختلاف أمر بشري، فطرنا عليه، وقدر علينا نحن البشر، هذه حقيقة علينا أن نتعامل معها بتعقل وتبصر، لنصل إلى أهدافنا كأمة مسلمة،
 قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾
(سورة هود: الآية 118)
وقال تعالى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾
(سورة المائدة: الآية 48)
 إن هذا الاختلاف بين الأمم، بين الحضارات، بين الأديان، نقرُّه، ولا ننكره، ولا يعفينا من تبيان حقيقة معتقدنا وسموه، ولا الدفاع عن معطياته الإلهية، ولا يعفينا من حوار محدد السبل والأهداف، فلعلنا بذلك ولو على الأقل نصل إلى نقطة اتفاق ولو نسبية تكون أساس علاقات إنسانية مثمرة. الدكتور محمد راتب النابلسي

Aucun commentaire: